“الفخ”.. العلاقات الإيرانية الألمانية وتداعيات اغتيال فخري زاده


أجمعت عدد من المنابر الإعلامية الألمانية أن اغتيال “الأب الروحي” للبرنامج النووي الإيراني، فخ هدفه تأجيج التوتر بالمنطقة في استباق لاحتمال عودة الولايات المتحدة للاتفاق النووي لعام 2015 بعد تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن.

دقت عملية اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده مجددا، أجراس الإنذار في الشرق الأوسط، خوفا من انفجار منطقة تقف أصلا فوق برميل بارود، في ظرف انتقالي دقيق، قبيل تنصيب الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن الذي أعلن أكثر من مرة استعداده لاستئناف الحوار مع الجمهورية الإسلامية، شرط التزامها الكامل ببنود الاتفاق النووي. وقد واكب الإعلام الألماني هذا الحادث بقلق كبير وحذّر معظم المعلقين من مغبة تداعياته على المنطقة، مع تفهم لموقف إسرائيل في حال ثبوت وقوفها وراء الاغتيال، على غرار صحيفة “هيسيشه نيدرسيكسيشه ألغماينه” (29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020) التي كتبت “لم يثبت بعد أن إسرائيل هي المسؤولة عن اغتيال العالم النووي الإيراني، لكن جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي الموساد وحده المرجح أن يكون قادرا على ارتكاب جريمة قتل كهذه في إيران ويختفي دون أن يتم اكتشافه. إذا تأكدت هذه الشكوك، فإن مرتكبي الجريمة يبررون الهجوم بمنطق لا يرحم، لدولة ترى نفسها في حالة حرب دائمة مع جيرانها العرب وعدوها اللدود إيران: العين بالعين والسن بالسن”.

عدد من المعلقين أكدوا أيضا، أنه إذا كانت إسرائيل هي الفاعلة، فلا يمكن تصور ذلك دون ضوء أخضر من إدارة الرئيس دونالد ترامب. رسميا، امتنعت واشنطن عن التعليق على اغتيال فخري زاده، غير أن ترامب أعاد مشاركة تغريدات على تويتر جاء فيها أن العالم النووي الإيراني “مطلوب لدى الموساد منذ عدة سنوات”. كما أن رئيس الدبلوماسية الأمريكية مايك بومبيو الذي زار إسرائيل مؤخرا، أعلن عن عقوبات اقتصادية جديدة ضد شركات صينية وروسية متهمة بدعم البرنامج الصاروخي الإيراني. أما ألمانيا فمهتمة بالموضوع الإيراني لأسباب تاريخية وسياسية واقتصادية وتؤمن بأن العودة إلى الدبلوماسية أفضل لحل مشاكل المنطقة. ولا ننسى أن الشركات الألمانية كانت من أكبر المتضررين في أوروبا من انسحاب ترامب من اتفاق فيينا وفرضه عقوبات اقتصادية قصوى على طهران.

برلين تبذل كل جهد لإعادة إحياء الاتفاق النووي

دعا رئيس الدبلوماسية الألمانية هايكو ماس الأطراف المعنية إلى ضبط النفس وحثها “على نحو مُلح إلى الامتناع عن اتخاذ خطوات قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد”. وذكر ماس أنه على الرغم من عدم توفر معلومات خاصة بشأن الواقعة، فإنه من الواضح “أن مقتل محسن فخري زاده سيزيد الوضع سوءا مرة أخرى في المنطقة”. فيما أكد متحدث بإسم الخارجية الألمانية أنه “قبيل أسابيع على تولي حكومة جديدة السلطة في الولايات المتحدة، يجب المحافظة على الحوار مع إيران لحل النزاع بشأن برنامجها النووي عبر التفاوض”. صحيفة “يونغه فيلت” الألمانية علقت على الموضوع وقالت: “محسن فخري زاده ليس أول عالم نووي إيراني يُقتل داخل بلده، وإن كان الأهم إلى حد بعيد. كل من يريد منع تصعيد خطير يجب أن يتجاوز المعايير المزدوجة في النهاية”. الصحفية الإيرانية سهرا أصغري لخصت عبثية الموقف برمته حين كتبت “الهجوم كان الثمن الذي دفعته إيران مقابل هزيمة ترامب الانتخابية”.

أما بشأن موقف برلين الرسمي من الملف النووي بعد انتخاب بايدن، فقد سبق للحكومة الألمانية أن دعت طهران إلى الامتثال لاتفاق فيينا. وقالت متحدثة بإسم وزارة الخارجية الألمانية (23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020) في برلين إن إيران تنتهك الاتفاق بشكل منهجي حالياً. ويذكر أن وزير الخارجية هايكو ماس التقى في نفس اليوم في برلين نظرائه من فرنسا وبريطانيا، جان إيف لودريان ودومينيك راب، لمناقشة كيفية المضي قدما مع الموقعين الآخرين على الاتفاق النووي، وإذا لزم الأمر أيضا التشاور مع الحكومة الأمريكية الجديدة. وقالت متحدثة بإسم الحكومة الألمانية “نحن على ثقة من أن الموقف البناء للولايات المتحدة بشأن اتفاقية فيينا النووية يمكن أن يسهم بشكل كبير في كسر الحلزون السلبي الحالي الذي نلاحظه مع إيران”.

مد وجزر – علاقات ألمانيا بالجمهورية الإسلامية

في مقال لرحيل كلاين نشرته دويتشه فيله (سبتمبر/ أيلول 2019) تضمن حوارا مع خبير العلاقات الألمانية الإيرانية عدنان طباطبائي، وصف الأخير العلاقات بين البلدين بأنها “غنية بتقاليدها، متعددة الأبعاد ومُثقلة” وأضافت الكاتبة أن طباطبائي اختزل تلك العلاقة المعقدة في ثلاث كلمات معبرة “لأن العلاقات بين المفكرين ورجال الأعمال الألمان والإيرانيين موجودة منذ زمن الشاعرين غوته وحافظ قبل 200 عام. متعددة الأبعاد، لأن لها مستويات ثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية. ولكنها أيضا علاقة مُثقلة ومُرهقة لأن هناك خلافات في السياستين الداخلية والخارجية، لأسباب ليس أقلها موقف إيران من إسرائيل”.

وتعد ألمانيا ثالث أهم شريك تجاري لإيران بعد الصين واليابان. في المقابل، تعد إيران ثاني أهم شريك تجاري لألمانيا في الشرق الأوسط بعد إسرائيل. وهناك حوالي خمسين شركة ألمانية لها فروع في إيران عانت هي أيضا من العقوبات الأمريكية ضد هذا البلد. ففي عام 2005، كان لألمانيا نصيب الأسد من سوق التصدير الإيراني بـ1.67 مليار دولار أمريكي (14.4٪). وفي عام 2008، ارتفعت الصادرات الألمانية إلى إيران بنسبة 8.9٪ وبلغت 84.7٪ من إجمالي حجم التجارة الألمانية الإيرانية. ووفقًا لمصادر ألمانية، فإن حوالي 80٪ من الآلات والمعدات في إيران هي من أصل ألماني. وقدرت غرفة التجارة والصناعة الألمانية العقوبات الاقتصادية ضد إيران بأكثر من 10 آلاف فرصة عمل في ألمانيا.

الاقتصاد الإيراني يترنح من العقوبات الأمريكية

إضافة إلى تداعيات جائحة كورونا، يواجه الاقتصاد الإيراني مطبات الانكماش والتراجع في قيمة العملة المحلية وأداء الاقتصاد بشكل عام، بسبب العقوبات القاسية التي أعاد الرئيس دونالد ترامب فرضها على طهران اعتبارا من عام 2018، بعد قرار واشنطن الانسحاب بشكل أحادي من الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني.

والواقع أن إيران برميل يغلي منذ سنوات، حيث بلغت نسبة البطالة 12.4 في المائة، فيما تجاوز معدل التضخم ما يمكن تحمله، ما أدى إلى زيادة هائلة في تكلفة المعيشة، كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 50 في المائة في الأشهر الأخيرة. وفي الوقت نفسه، ظلت الأجور راكدة لا تتحرك، ما فاقم الفوارق الاجتماعية. كما يعيش قرابة نصف الإيرانيين تحت خط الفقر أو فوقه بقليل. أما وضع حقوق الإنسان فكارثي.

طهران توجه أصابع الاتهام للموساد ومجاهدي خلق

“صحيفة نويه تسوريشر تسايتونغ” الصادرة في زوريخ (30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020) كتبت: “يفترض خبراء الأمن الإسرائيليون أن إيران سترد (على مقتل العالم النووي). والسؤال الوحيد هو متى وكيف سيضرب الإيرانيون؟ يبدو من غير المحتمل شن هجوم مباشر على إسرائيل (..). في هذه الحالة ستكون هناك حرب مفتوحة – وهو السيناريو الذي أراد الإيرانيون تفاديه لحد الآن، خاصة في وقت تكون فيه إسرائيل متأكدة من دعم الأمريكيين. لكن يمكن لطهران أن تمنح حلفاءها في المنطقة الضوء الأخضر لمهاجمة أهداف إسرائيلية وأمريكية، بما في ذلك الأهداف السعودية. وهذا بالطبع سيضع طهران في مأزق في أفق مفاوضات محتملة مع الرئيس الأمريكي المقبل”.

أما الجمهورية الإسلامية فلم تتردد في تحميل مسؤولية اغتيال عالمها النووي لجهاز “الموساد” الإسرائيلي وبعده منظمة “مجاهدي خلق” المحظورة. أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران علي شمخاني أكد أن الاغتيال كان “عملية معقدة استخدمت فيها أجهزة الكترونية، ولم يكن ثمة أي شخص في المكان”، من دون أن يقدم تفاصيل إضافية بشأن ذلك. وكانت وكالة “فارس” للأنباء، أكدت أن إطلاق النار كان من خلال رشاش آلي موضوع على متن شاحنة صغيرة، وتم التحكم به عن بعد، قبل أن يتم تفجير السيارة. وأضاف شمخاني موضحا “استخدم العدو أسلوبا (..) جديدا بالكامل، واحترافيا”، كاشفا أن فخري زاده كان مهددا “منذ عشرين عاما”، وتم إفشال محاولات سابقة لاستهدافه.

وأوضح المسؤول أن العملية “تورط فيها (..) المنافقون”، وهي مفردة يستخدمها المسؤولون الإيرانيون عادة للإشارة الى منظمة “مجاهدي خالق” المعارضة في المنفى، والمصنفة “إرهابية” من قبل إيران. إلا أن المسؤول الإيراني أكد أن جهاز الاستخبارات الخارجية للدولة العبرية يبقى المسؤول الأول عن الاغتيال. يذكر أن الخارجية الأمريكية أدرجت فخري زاده على لائحة العقوبات لعام 2008 على خلفية “نشاطات وعمليات ساهمت في تطوير برنامج إيران النووي”، بينما اتهمته إسرائيل سابقا عبر رئيس وزرائها بنيامين نتانياهو، بالوقوف خلف برنامج نووي “عسكري” تنفي طهران وجوده.

تقويض أم تقوية لموقف بايدن التفاوضي؟

رأى بعض المحللين الأمريكيين أن مقتل العالم الإيراني فيها رسالة وكأنها تسعى لتقويض مخططات بايدن المعلنة في اتجاه الجمهورية الإسلامية وبرنامجها النووي. جون برينان، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الأسبق وصف العملية بـ”العمل الإجرامي والمتهوّر بدرجة كبيرة”، مؤكدا أنها قد تؤسس لموجة جديدة من الأعمال الانتقامية في الشرق لأوسط. ودعا برينان إيران إلى “انتظار عودة قيادة أمريكية مسؤولة إلى الساحة الدولية ومقاومة الرغبة بالرد على الجناة المفترضين”. غير أن بعض المحللين رأوا أن اغتيال العالم الإيراني سيقوي الموقف التفاوضي لإدارة جو بايدن مع طهران.

صحيفة “فرانكفورتر روندشاو” الألمانية (29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020) علقت على القضية وكتبت “اغتيال فخري زاده لا يستهدف البرنامج النووي الإيراني فحسب، ولكن أيضا المفاوضات المحتملة بين نظام الملالي والرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن. يتعين على الجانبين متابعة هذا الهدف (..) لن يكون الأمر سهلاً، من ناحية، هناك المتشددون من كلا الجانبين.. أصوات في الشرق الأوسط تستغل الوقت قبيل تنصيب بايدن في يناير/ كانون الثاني، لأن إيران وحلفاءها ضعفاء ويجب الآن إجبارهم على اتفاق شامل، بما في ذلك نبذ الإرهاب والتدخل في شؤون المنطقة”.

المتشددون يطالبون بالانتقام وأصواتهم تتعالى في كل مكان في إيران، والمعتدلون يدعون للتروي والانتباه للفخ المنصوب. وكتب أحد الصحفيين الإيرانيين قائلاً “روحاني المسكين في مأزق مرة أخرى (..) علمنا مسبقا أن الأسابيع القليلة الماضية قد تكون تضيق على أعدائنا، وبالتالي فإنهم سيفعلون كل ما في وسعهم لمنع أي تغييرات في السياسة العالمية”. يذكر أن تقارير أمريكية كشفت أنه، بعد هزيمته في الانتخابات، سأل ترامب عن خيارات العمل العسكري ضد إيران. أخذت طهران التقارير على محمل الجد وفسرتها على أنها محاولة من ترامب لمنع أي تقارب بين حكومة بايدن وفريق روحاني مسبقا. وبهذا الشأن كتبت صحيفة “راينبفالز” الصادرة في لودفيغسهافن (30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020) “لن تكفي العودة إلى الاتفاق الذي جمد برنامج إيران النووي لعام 2015 وثم تعليقه من جانب واحد من قبل دونالد ترامب. طهران ردت على انتهاك ترامب للقانون الدولي بخلق حقائق جديدة مؤسفة: نظام الملالي يملك الآن من اليورانيوم المخصب أكثر مما تسمح به اتفاقية فيينا (…) لن يتمكن بايدن من التفاوض مع طهران إلا إذا رفع العقوبات أو قدم عروضا أخرى”.


حسن زنيند
DW

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *