حملة ممنهجة ضد المصارف للهروب من كشف المسؤوليات عن افلاس الدولة


ترى مصادر مصرفية واسعة الإطلاع أن السلطة السياسية أطلقت على مستويات عدة، خلال الأيام القليلة الماضية، حملة ممنهجة جديدة ضد القطاع المصرفي إمعاناً منها في الهروب من تحمل المسؤوليات الملفاة على عاتقها دستورياً وسياسياً لإخراج لبنان من الأزمة التي وقع فيها نتيجة للسياسات الحكومية الداخلية والخارجية التي عزلته عن محيطه والعالم والتي تسببت بحالات مستدامة من عدم الإستقرار السياسي والأمني وبالتالي الإقتصادي والمالي والنقدي.

تتوقف المصادر باستغراب عند جملة من المؤشرات والوقائع في هذا الإطار على الشكل التالي:

  1. رسالة رئيس الجمهورية ميشال عون الى مجلس النواب في خصوص التدقيق المالي الجنائي وهي رسالة هدفت الى رمي الكرة في ملعب السلطة التشريعية في إطار الصراع بين أركان الحكم بدل أن يعمد رئيس الجمهورية الى العمل مع حكومته، ولو مستقيلة، على وضع حسابات الوزارات والصناديق والمؤسسات الرسمية في تصرف المعنيين بإجراء التحقيق أو بدل الإسراع في تشكيل حكومة جديدة تتولى هذه المسألة وتنصرف الى تصحيح السياسة الخارجية للدولة اللبنانية وتعمد الى مصالحة لبنان مع العرب والعالم وتنتشله من محور الدول التي تتعرض للحصار والعقوبات العربية والدولية والتي تصنَّف كدول مارقة وفاشلة وخارجة عن القانون الدولي.
  2. المسرحية الهزلية دستوريا التي أخرجها مجلس النواب باتخاذه قراراً بالطلب الى الحكومة شمول التدقيق المالي الجنائي كل مؤسسات الدولة من مصرف لبنان مروراً بكل الوزرارات والصناديق والمؤسسات، بدل تحمّل مسؤولياته الدستورية التشريعية بإصدار قانون ملزم بهذا المعنى من جهة، بعدما امتنع عن محاسبة السلطة التنفيذية على سياساتها ومواقفها وقراراتها على مدى عشرات السنوات الماضية من جهة أخرى.
  3. رسالة رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل الى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي حاول من خلالها مرسلها تبرئة نفسه وفريقه السياسي من المسؤولية السياسية والإدارية والمالية، ورمي الكرة في ملعب مصرف لبنان، في محاولة ليست الأولى لتبييض صفحته، وتجميل صورته داخلياً وخارجياً، خصوصاً بعد العقوبات الأميركية التي استهدفته على خلفية شراكته في الفساد ومسؤوليته عنه خلال توليه مسؤوليات وزارية.
  4. المقال الذي نشرته صحيفة لوموند الفرنسية وفيه هجوم جديد على حاكم مصرف لبنان رياض سلامه بعد ايام على زيارة سلامة الى العاصمة الفرنسية في محاولة لإجهاض نتائج زيارته. ولفتت المصادر المصرفية إلى هوية كاتب المقال الشخصية (بنيامين بارت) والمهنية وعلاقاته المحلية وتوجهاته السياسية المعروفة التي تظهر في مقالاته السابقة من خلال تبنيه وجهات نظر محور إقليمي متحالف مع مستهدفي مصرف لبنان خصوصاً، والقطاع المصرفي اللبناني عموماً. كما تلفت الى دور لعبه في هذا المقال أحد مالكي الصحيفة، ماثيو بيغاس، الذي كان مُديراً لشركة «لازار» في فرنسا حتى استقالته عام 2019، علماً أن حكومة حسان دياب كانت قد اعتمدت هذه الشركة كمسشارة للحكومة اللبنانية في موضوع ديون الدولة.
  5. المقال الذي نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” والذي يتحدث عن اتجاه لدى الإدارة الأميركية إلى فرض عقوبات على القطاع المصرفي اللبناني بحجة مساعدة حزب الله، والذي تم تقديمه للرأي العام اللبناني وكأنه استهداف أو إدانة لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة في حين أنه يعكس في الحقيقة استياء المجتمع الدولي من سياسة الحكومة اللبنانية التي تغطي سياسات حزب الله وتسخّر مؤسساتها الحكومية والرسمية لمساعدة مشاريع الحزب، ومن التهرب الدائم للحكومة من كشف حساباتها والتدقيق في تمويل مشاريعها وصفقاتها.

وتتساءل المصادر المصرفية: كيف يجوز لأركان الحكم في لبنان أن يوجهوا سهام الاتهامات الى القطاع المصرفي بعرقلة التحقيق المالي الجنائي وهم لم ينجزوا حتى الآن قطع حساب الموازنات التي أقرتها الحكومة ووافق عليها المجلس النيابي على مدى سنوات طويلة؟ وهل يعرف أركان الحكم أن الدستور اللبناني يمنعهم من إقرار أية موازنة قبل إقرار قطع الحساب الخاص بالموازنة التي سبقتها؟ وهل يتذكرون أن هناك قراراً من المجلس الدستوري بهذا المعنى؟

وتتابع المصادر: يبدو أن أركان الحكم مصرّون على وضع كل إمكاناتهم من أجل تدمير القطاع المصرفي كسبيل وحيد للهروب من كشف مسؤولياتهم عن الفساد والهدر وإفلاس الدولة والخزينة، بدل تركيز جهودهم على القيام بواجباتهم في الإصلاح السياسي والإداري والأمني والإقتصادي والمؤسساتي، معتبرة أن “الثقب الأسود” الحقيقي والفعلي موجود في سياسات الحكومات المتعاقبة لا في حسابات مصرف لبنان والمصارف التجارية.

وتعلق المصادر على ما جاء في مقال جريدة لوموند عن خسائر أصابت القطاع المصرفي بقيمة 68 مليار دولار، مشيرة إلى أنه بمعزل عن صحة هذا الرقم او عدم صحته فإن ما لم يأت على ذكره مسربو هذه المعطيات الى صحيفة لوموند هو أين هي هذه المبالغ؟ أليست ديوناً لدى الدولة اللبنانية؟ وهل المصارف هي التي صرفتها أو الحكومة اللبنانية؟ وعلى ماذا وكيف صرفت؟ وتحت أية رقابة؟ وبموجب أية قرارات؟ ومن هي الجهات التي اتخذت قرارات الصرف؟

وتضيف: خلافاً لكل التسريبات فإن مصرف لبنان زوّد شركة الفاريز ومارسال بكل المستندات الخاصة بحساباته. أما حسابات الدولة اللبنانية فمسؤولية تسليمها تقع على عاتق وزارة المال مرورا بكل الوزارات والصناديق والمؤسسات. ومن يريد فعلاً معرفة مصير الديون التي استلفتها الدولة اللبنانية من المصارف والدائنين اللبنانيين والعرب والأجانب فعليه مراجعة حسابات الحكومة اللبنانية لا حسابات القطاع المصرفي!

وتختم المصادر: لقد سئم اللبنانيون، كما المجتمعان العربي والدولي من هذه “المساخر” و”البهلوانيات” التي لم تعد تنفع اركان الحكم والحكومة في تزوير الحقيقة والهروب من المسؤولية. أفلا يكفي أن يكون المؤتمر الدولي لمساعدة لبنان الذي سيعقد بدعوة من فرنسا غداً قد قرر حصر أعماله بالمساعدات الإنسانية للشعب اللبناني، بعيداً عن أية مساعدة اقتصادية للدولة اللبنانية ليفهم الحاكمون بأن سياساتهم، واتهاماتهم، وعدم مسؤوليتهم لم تعد تجدي نفعاً في كسب الوقت والهروب الى الأمام؟ وأن المطلوب اعتراف بفشلهم وإقرار بعدم صلاحيتهم لا لإدارة الأزمة ولا للخروج منها بعدما تحول مجرد وجودهم في الحكم الى مشكلة بذاته في نظر اللبنانيين والعالم؟


المركزية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *