خطر على الدول العربية والقرن الأفريقي.. تداعيات النزاع في إثيوبيا


بالتزامن مع ضربات عسكرية تسببت في نزوح الآلاف، تتبادل الحكومة المركزية في إثيوبيا وقادة إقليم تيغراي الاتهامات. فهل يتسع نطاق الصراع ليشمل دولا أخرى في المنطقة؟ وما تداعيات استمراره على الجارة السودان ومصر؟

شن رئيس الوزراء الإثيوبي أبيي أحمد هجوماً عسكرياً في إقليم تيغراي الشمالي يوم الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني، بعد اتهام حكام الإقليم بمهاجمة قواعد عسكرية اتحادية. ونفت جبهة التحرير بإقليم تيغراي مسؤوليتها واعتبرت الهجوم ذريعة لغزو الإقليم.

ويتهم أحمد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بـ”الخيانة والإرهاب وتحدي سلطة الحكومة المركزية ومحاولة زعزعة استقرار البلاد”، بينما ترى الجبهة أن الإقليم الذي يقطنه حوالي ستة ملايين نسمه “يتعرض للاضطهاد والتهميش”.

وما بين هذا وذاك، تخشى دول القرن الإفريقي المجاورة لإثيوبيا ودول عربية، تربطها بالجارة الإفريقية مصالح واتفاقات، من استمرار الصراع لفترة أطول أو اتساع نطاقه لخارج حدود إثيوبيا وإقليم تيغراي.

“الوضع تحت سيطرة”!

يرى رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية ياسين أحمد أن الأزمة في إقليم تيغراي لن تطول ولدى الحكومة المركزية القدرة على التعامل بمفردها مع الوضع، خاصة وأن هناك “إجماع شعبي على الحكومة المركزية في مقابل تغليب الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي مصالحها”.

ويقول ياسين أحمد إن “الأقاليم الفيدرالية الأخرى تتفق مع الحكومة المركزية في أديس أبابا، ولهذا ما يحدث في إقليم تيغراي هو تمرد ولابد من إنفاذ القانون”. ويضيف بأنه “لو كانت الجبهة تريد مصلحة الشعب في الإقليم لكانت قبلت بالحوار، فلا يُعقَل أن ينقلب إقليم واحد على الإرادة الوطنية”.

وتتكون إثيوبيا من 9 ولايات فيدرالية إثنية، وفقا لاعتبارات التوزيع السكاني، تشمل إقليم تيغراي الذى يمثل سكانه حوالي 6 بالمائة من إجمالي السكان الذي يتجاوز تعدادهم 100 مليون نسمة.

وسيطر إقليم تيغراي على الحكم في إثيوبيا لأكثر من 20عاما من خلال ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية، إلى أن تولى رئيس الوزراء الحالي أبيي أحمد الحكم في نيسان/ أبريل 2018 السلطة وأجرى تغييرات سياسية من شأنها سحب البساط من تحت أقدام اإقليم تيغراي الحاكم.

إلا أن مديرة البرنامج الإفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في القاهرة أماني الطويل، تستبعد الحديث عن “إجماع شعبي” حيث أن كل طرف في إثيوبيا “يرى الصراع الحالي من زاويته الخاصة”.

وتشير الطويل إلى ضرورة أخذ القدرات العسكرية التي يمتلكها إقليم تيغراي في الاعتبار لدى محاولة توقع مستقبل الأزمة، وتقول: “أظهر الإقليم قدرة على القيام بعمليات عسكرية في اتجاهين بالداخل نحو إقليم أمهرة وللخارج نحو إريتريا في الشمال، فضلا عن تهديد الجبهة الشعبية بامتلاك صواريخ طويلة المدى”.

حسم عسكري أم اتساع الأزمة؟

وتبنّت سلطات إقليم تيغراي هجوما بالصواريخ استهدف مطار أسمرة عاصمة دولة إريتريا المجاورة، ما يعزز المخاوف من اتساع نطاق الصراع الحالي ليشمل دولة أخرى في القرن الأفريقي.

وتتهم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي إريتريا بـ”إرسال دبابات وآلاف الجنود عبر الحدود لدعم القوات الاتحادية الإثيوبية”، وهو ما تنفيه أسمرة.

ويشير رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية ياسين أحمد، إلى “غياب الدليل المادي” على استخدام القواعد العسكرية في إريتريا للهجوم على إقليم تيغراي. بل على العكس، يرى أحمد أن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي “تحاول فتح جبهات متعددة لتشتيت تركيز الحكومة المركزية وتوسيع نطاق المعركة باستهدافها مطار أسمرة لتكون حرب إقليمية”.

ومنذ تولى رئيس الوزراء الإثيوبي أبيي أحمد الحكم في إثيوبيا، عمل على إنهاء صراع دام 20 سنة مع إريتريا، وحاز من أجل ذلك على جائزة نوبل للسلام عام2019 لدوره في إحلال السلام.

إلا أن مديرة البرنامج الإفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة، أماني الطويل، تؤكد أن “الحسم العسكري للأزمة” يتوقف على حجم الانقسامات الحالية داخل الجيش المركزي الإثيوبي.

وتشير الطويل هنا إلى أنباء عن دخول بعض عناصر الجيش الإثيوبي للسودان وقيامهم بتسليم أسلحتهم عقب التصعيد الأخير.

وصرحت قوة المهام الطارئة الحكومية، التي شكلها رئيس وزراء إثيوبيا لإدارة الصراع، بأن القوات نجحت مؤخرا في “تحرير” بلدة ألاماتا من الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وأن مقاتلي الجبهة الشعبية “فروا ومعهم حوالي 10 آلاف أسير”، دون أن توضح من أين أخذوهم.

وفي ظل القيود المفروضة على منطقة الصراع وتعطل معظم الاتصالات في تيغراي، لا تستطيع وسائل الإعلام التحقق من “مزاعم” الأطراف المتصارعة.

الأزمة تهدد السودان!

وأعلنت منظمة العفو الدولية عن مقتل عشرات المدنيين فيما وصفته بـ”مذبحة”،نسبها شهود إلى قوات تدعم جبهة التحرير في إقليم تيغراي. كما حذرت الأمم المتحدة من أن وكالات الإغاثة العاملة في الإقليم “غير قادرة على إعادة ملء مخازنها من المواد الغذائية والصحية وإمدادات الطوارئ الأخرى لعدم القدرة على الوصول إلى المنطقة”.

ودفع الوضع بأكثر من 20 ألف لاجئ إثيوبي حتى الآن لاجتياز الحدود نحو السودان، والتي أعلنت من جانبها عن فتح مخيم “أم راكوبة” بولاية القضارف السودانية لاستقبال الإثيوبيين الهاربين، وفقا لوكالة الأنباء السودانية الرسمية (سونا).

ولفتت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إلى أنها تتوقع ارتفاع أعداد اللاجئين الى السودان، والتي تقدرهم حتى الآن بـ25 ألف إثيوبي.

إلا أن البعد الإنساني للأزمة المتمثل في نزوح الآلاف إلى السودان وأعباء استقبالهم لن يكون الأثر الوحيد الذي ستعاني منه الدول العربية المجاورة لإثيوبيا في حالة استمرار النزاع لمدة أطول.

وتتخوف مديرة البرنامج الإفريقي بمركز الأهرام، أماني الطويل، من انتقال الصراع لشرق السودان “نظرا للامتدادات العرقية بين الدولتين”.

كما ترجح الطويل أن ينجر الصومال أيضا للصراع وتقول إن “استمرار الصراع وما قد يصحبه من إضعاف للجيش الإثيوبي يمكن أن يغري تنظيم الشباب المتطرف في الصومال لمحاولة الثأر مما قامت به إثيوبيا سابقا ضد التنظيم”. ويشير رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية، ياسين أحمد، إلى خطورة ما وصفه بـ”تساهل الحكومة الإثيوبية مع التمرد في تيغراي بما يساهم في تفكيك إثيوبيا”، وهو ما قد يؤثر بدوره على دول مجاورة.

استمرار الصراع يضر بمصر؟

وصرح مسؤولون حكوميون في أوغندا، عشية لقاء جمع الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني ووزير الخارجية الإثيوبي، بأن الرئيس الأوغندي سيلتقي ممثلين عن كل من الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير إقليم تيغراي لبدء الوساطة بينهما، وفقا لما ذكرته وكالة فرانس برس.

إلا أن إثيوبيا وتيغراي ينفيان المشاركة في أي حوار، ووصفت خلية الأزمة بالحكومة الإثيوبية المعلومات حول المشاركة في وساطة بأوغندا مع جبهة تحرير تيغراي بأنها “كاذبة”!

ويستبعد رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية ياسين أحمد “أي تدخل عربي” في الأزمة الحالية التي يشهدها إقليم تيغراي نظرا لحساسية الموقف، على حد وصفه. ويقول إن “ما يحدث بإقليم تيغراي حاليا هو أمر يتعلق بسيادة إثيوبيا، وفقا للقانون الدولي. وأعتقد أن الدول المجاورة والدول العربية ستحرص على عدم التدخل، بل ستدعم الحكومة الإثيوبية ذات الشرعية الدستورية، لأن التدخل بالشأن الداخلي الإثيوبي ليس من مصلحتها”.

وتتفق أماني الطويل مع ياسين أحمد، على أن استمرار الصراع ليس في صالح مصر، التي تخوض مفاوضات شاقة مع إثيوبيا بشأن سد النهضة، فضلا عما يشكله الصراع من “تهديد أمني على استثمارات الإمارات والسعودية وقطر” في إثيوبيا.

وتقول الطويل إن “انشغال الحكومة الإثيوبية بالصراع في تيغراي يؤدى لتجميد مباحثات سد النهضة الحرجة بسبب عنصر الوقت قبل البدء بعملية الملء الثانية للسد في شهر يوليو/ تموز القادم”.


دينا البسنلي
DW

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *