مُخبر بوليسي.. النبات وأوراق الشجر يساهمان في الكشف عن الجثث والمقابر السرية


مثل أوعية الأسرار، تحجب النباتات الكثيفة العديدَ من الأشياء المثيرة والخطيرة، كالجثث البشرية مثلًا. لكن، يُحتمل أن أحد أقفال هذه الأوعية قد وقع عليه العلماء مؤخرًا، وهو قفل بلون الأوراق النباتية يفشي سرّ وجود الجثث المتحللة عن بُعد!

لغايات غير السياحة وحب المغامرة في الطبيعة، فإن فرق الإنقاذ والطب الشرعي والباحثين عن الأشخاص المفقودين قد يجدون أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: التراجُع أو المخاطرة بحياتهم في مواقع غير آمنة وسط الغابات والمتنزهات الوطنية، حيث لا تكون الحيوانات المفترسة والسامة هي الخطر الوحيد المحدق، فالتضاريس الوعرة والأحوال الجوية المضطربة خطر داهم في المناطق كثيفة الأشجار والنباتات. ووراء الجذوع العريضة وخلف الأشجار المتقاربة وبين أغصان النباتات وتحتها قد يتخفّى الأشرار، ويلوذ أفراد العصابات وعناصر الميليشيات المسلحة في مناطق النزاع.

إنها بعضٌ من الأسرار الخطيرة التي تنطوي عليها الغابات والمواقع النائية كثيفة الأشجار، والتي تغطي نحو أربعة مليارات هكتار من اليابسة، فلأنها تحفل بالعوائق التي تجعل من الصعب جدًّا التوغل فيها، تُعَدُّ مكانًا مثاليًّا للتخلص من الضحايا دون صعوبة.

لكن الغابات ليست دائمًا مسرحًا للجريمة، وإن ظلت عنوانًا للموت المأسوي الغامض، فكثير من الأشخاص (متنزهون، أطفال، لاجئون، مهاجرون، رعاة، صيادون، فارون من الحروب والعدالة وغيرهم) يلقون حتفهم فيها؛ إذ يضلون طريقهم أو يتعرضون لأزمات صحية أو سقطات خطيرة، ولا يُعثر على بقاياهم إلا بعد مدة طويلة.

وأيًّا كانت أسباب الاختفاء والموت في الطبيعة، فإن صعوبة تحديد مواقع الجثث بسرعة بالوسائل والتقنيات المتداولة بتفاوت تكلفتها -المسوح الجوية وعبر القمر الصناعي وسيرًا على الأقدام، وبالكلاب المدربة، وحتى بطريق الاستشعار عن بُعد للأجسام البشرية المتحللة- تجعل انتشال الجثث مهمةً في غاية التعقيد، بل شبه مستحيلة بعد التحلُّل.

والحال أن العدد الهائل لقضايا الأشخاص المفقودين ومجهولي الهوية يُعد أحد أكبر التحديات التي تواجه الوكالات المكلفة بحل هذه القضايا الشائكة والمكلفة أمنيًّا واجتماعيًّا ونفسيًّا وماديًّا.

في الولايات المتحدة مثلًا، توصف الظاهرة بـ”الكارثة الجماعية الصامتة”، فوكالة النظام الوطني للمفقودين ومجهولي الهوية الحكومية التابعة لوزارة العدل تسجل 600 ألف مفقود سنويًّا، يُعثر منهم على 4400 جثة مجهولة الهوية فقط.

هذه العوائق مجتمعة، حفزت فريقًا من علماء جامعة تينيسي الأمريكية للتعاون فيما بينهم، “فمن دون جثة، تُعرقَل الملاحقة الجنائية، وتمرّ جرائم الحرب دون عقاب، وانتهاكات حقوق الإنسان دون محاسبة، وتعيش عائلات الضحايا معاناةً عاطفية طويلة”، كما يوضح المؤلفون في بحثهم المنشور مؤخرًا في مجلة “ترنيدز إن بلانت ساينس” Trends in Plant Science الصادرة بتاريخ 03 سبتمبر 2020.

والحق أن محنة العثور على المفقودين، ولو رميمًا متناثرًا، تُكلَّل بنوع من السلام الداخلي لأهالي الضحايا الذين يمرون بمعاناة قاسية طويلة الأمد.

وقد نجح تحقيق لمجلة ذي أتلانتيك بعنوان “في أرض المفقودين” نُشر عام 2016 في نقل تفاصيل قصصها المثيرة والحزينة لأهالي ضحايا فُقِدوا في ولاية ألاسكا القطبية ذات الكثافة السكانية الأقل في الولايات المتحدة، والتي استأثرت وحدها بأكثر من 3000 مفقود في عام 2015.

توصل فريق البحث إلى أن فحص لون أوراق النباتات المحيطة يمكّن من اكتشاف مواقع الجثث في المناطق الطبيعية التي يصعب الوصول إليها، بل عن بُعد أيضًا بواسطة طيارات بدون طيار.

مخبر نباتي بمزرعة للجثث

وضع الفريق العلمي نصب عينيه فكرة تحويل العائق الرئيسي الذي تمثله النباتات الكثيفة إلى فرصة، تذلِّل العقبات المحيطة بعملية كشف أماكن الجثث البشرية المتحللة، لا سيما وأن فائدة بعض الأدلة المادية على وجودها -مثل ما يلحق بتراب ونبات موقع الجثث من تغيرات في أثناء الدفن أو التحلل على السطح- سريعة الزوال، أو غير لافتة بما يكفي.

انبثق هذا التفكير من “وجود اثنين من المجالات البحثية المنتمية إلى تخصصات مختلفة تمامًا بجامعة تينيسي”، كما يقول المؤلف الرئيسي، نيل ستيوارت. ويقصد بهما تخصُّصَي التكنولوجيا الحيوية للنبات وعلم أنثروبولوجيا الطب الشرعي.

ويستطرد “ستيوارت” -الخبير في علم الوراثة الجزيئية للنباتات بمركز البيولوجيا التركيبية الزراعية بمعهد الزراعة التابع لجامعة تينيسي- موضحًا: “في حين كان علماء المجال الأول يوجهون النباتات لتعمل كمستشعرات نباتية للإبلاغ عما يجري في البيئة المحيطة، مستخدمين أجهزة استشعار مثبتة في طائرات بدون طيار لدراسة تطور المحاصيل الزراعية، كان علماء المجال الثاني يدرسون التحلل البشري في “مزرعة الجثث” التابعة للجامعة”.

“ناقشنا -كلٌّ من مجاله العلمي- فكرة الجمع بين مجالَي البحث؛ لمعرفة ما إذا كان بإمكان النباتات أن تخبرنا شيئًا عن تحلُّل الجثث البشرية”.

ومزارع الجثث هي في واقع الحال مرافق علمية لأبحاث التحلُّل البشري، أسهمت منذ بداية الثمانينيات، انطلاقًا من جامعة تينيسي، في تحديث دراسات التحلُّل وغزارتها، خاصةً في الولايات المتحدة التي تمتلك سبعة منها.

ويتكون هذا المرفق مما يطلق عليه العلماء اسم “جزر الجثث المتحللة”، وهي نظام بيئي يمثل دورة التحلل الطبيعي على مساحة ثلاثة أمتار تقريبًا، ويسعى لدراسة تفاعُل مركبات التحلل مع الوسط الطبيعي الذي توجد فيه.

وتحفل جزر التحلل بالكثير من المعطيات التي تنقلها النباتات؛ فالميكروبيوم، أي الأحياء الدقيقة والميكروبات المتدفقة من الجثث البشرية المتحللة تؤثر على تكوين التربة ومجموع ميكروبيوم الأحياء الدقيقة التي تعيش فيها.

وتُحدث هذه التغيرات في البيئة استجابةً لدى النباتات التي تنمو فوق الجثة المتحللة أو بالقرب منها، بحيث إن فيزيولوجيا النباتات تتغير هي الأخرى وفق ما تتغذى عليه الجذور في الوسط المحيط بالغلاف الجذوري (ريزوسفير، تلك المنطقة التى تتماس مباشرةً مع جذور النباتات).

يحدث أحد هذه التغيرات المتوقعة عند الاستجابة النباتية على مستوى التركيبة الطيفية لأوراق النباتات، إذ ترجح الدراسة أن تفيد أدوات الاستشعارعن بُعد لالتقاطها وسط المناطق الحرجية الكثيفة.

في هذا النطاق، يمكن أن تتجلى الاستجابات في تكوين خلية نباتية أو في تغييرات هيكلية لها بصمات طيفية فريدة، كالانعكاس الفائق الطيفي أو التألق الذاتي.

يقول نيل: “إن أُولى منافع هذا البحث تتمثل في تكوين معرفة حول كيفية استجابة النباتات للتحلل البشري في المكان والزمان على مدار المواسم المختلفة”، ذلك أن التغيرات في المؤشرات الطيفية للنبات بتأثيرٍ من التحلل البشري، وهو مجال لم ينل حظه من الوصف، وفق تأكيد الدراسة.

وتجد سورين بلو -الخبيرة الدولية في تحديد هوية الجثث وبقايا الرُّفات البشري مجهول الهوية، والتي عملت في العديد من الدول على قضايا جنائية كبرى للمقابر السرية والجماعية في مناطق النزاع- أن جانب “استخدام النباتات مؤشرًا للتغير في البيئة، وبالتالي كأداة لتحديد مواقع القبور السرية، أمر ثابت علميًّا”.

إنما “المثير في الدراسة” بالنسبة لكبيرة علماء الأنثروبولوجيا الجنائية في المعهد الفيكتوري للطب الشرعي (VIFM) بأستراليا يكمن في استخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد القائمة على تسجيل البيانات الطيفية الفائقة للمساعدة في تحديد موقع الرفات البشري المشتبه فيه.

وإذ تؤكد سورين أنه “ما من شك في أن هذه الوسيلة المقترحة تقدم إضافةً مثيرةً إلى أدوات الطب الشرعي”، فلكي تلفت إلى ضرورة توسيع رقعة البحث في بيئات طبيعية مختلفة، لـ”تقييم موثوقية الوسيلة المقترحة ومعرفة حدودها، خاصةً في ضوء المتغيرات المؤثرة على التحلل، مثل الزمن الممتد بين الدفن أو إلقائها في الطبيعة وبدء التحقيق، وعدد الجثث، وعمق المقبرة (مقابل الجثث المهملة على السطح) وما إلى ذلك”.

بداية انطلاق رائعة

تضيف وجهة نظر دانييل ويسكوت، مدير مركز أنثروبولوجيا الطب الشرعي بجامعة ولاية تكساس (FACTS) ملحوظات أخرى لما أشارت إليه زميلته “سورين” من الحاجة إلى إجراء المزيد من البحوث، وإن بدا أن ويسكوت استقبل الدراسة بحماس أقل. فقد اعتبر أن دراسة زملائه تبدو له “مستغرقةً في النظرية في هذه المرحلة”، وتفتقر إلى “البيانات القابلة للاختبار في الواقع”.

ولربما لم يجد “ويسكوت” فيها جديدًا يُذكر، فقد أوضح أن فرضية كون الغطاء النباتي الكثيف قد لا يطرح مشكلة كبيرة تطابق “ما توقعنا في الماضي”.

ويستطرد أستاذ الأنثروبولوجيا البيولوجية قائلًا: “سبق أن قدمنا ملحوظات مماثلة، وجدنا أن الغطاء النباتي المرتبط بجزر الجثث والمقابر، خاصةً في أوائل الربيع، يكون له بصمات طيفية مميزة يفترض أن نكون قادرين على تحديدها. ومع ذلك ، فإن هذا لا يمنح أكثر من بضع “بقع ساخنة” للبحث فيها”.

لدى “ويسكوت” نظرة وافية عن تاريخ تطور بحوث التحلل البشري، ويعمل المركز الذي يديره على مشروع بحثي جديد، حصل على تمويله منتصف العام الجاري من وزارة العدل الأمريكية، ويستغرق عامين، لاستكشاف قدرات وحدود الطائرات بدون طيار، ذات أنظمة استشعار عن بُعد متعددة الأطياف، كأدوات لتحديد مواقع الجثث البشرية والتعرُّف على رفاتها؛ لتطوير أفضل الممارسات من أجل اكتشاف وتوثيق المقابر السرية ورفات البشر السطحي.

وما يلبث أن يعود لتأكيد أهمية دراسة زملائه، فهي “تشكل بداية انطلاق رائعة”، و”ستفيد بشكل مباشر في التقدم” الذي أوصى به قبل بضع سنوات، دافعًا بأنه سيتم قطع شوط طويل باستخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد، والكشف عن البصمات الطيفية في سبيل المساعدة في البحث عن المقابر السرية.

لم يفُت “ويسكوت” أن يثير تحديًا قائمًا لم تتغافله الدراسة، يتمثل في التمييز بين جزر الجثت البشرية والحيوانية. “لا أعلم إن كان هناك مَن يمكنه التمييز بين جزيرة لجثة بشرية وأخرى لبقرة”.

ولكن “نيل” لا ينفي أنه يجهل “ما إن كان التحلل البشري له تأثير فريد على النباتات مقارنةً بتحلُّل الثدييات الكبيرة”؛ ففي الجزء الجنوبي الشرقي من الولايات المتحدة، حيث يعيش، “هناك عدد قليل من الثدييات بحجم الإنسان البالغ”.

غير أن “نيل” يعوِّل على التطورات الواعدة للبحث، ويؤكد بأنه “بمجرد أن نكتشف ما إذا كانت الأشجار والشجيرات تستجيب لتحلُّل الإنسان من خلال تغيُّرات طيفية في الأوراق النباتية، يمكننا حينئذٍ فحص خصوصية الاستجابات”.

تفيد الورقة البحثية لفريق “نيل” بأن دراسات الطب الشرعي البيئي التي تستخدم الخنازير أو نماذج حيوانية أخرى لدراسة تأثيرات التحلل تعززت حديثًا بدراسة بينت أن معدلات التحلل وأنماطه تختلف بين أصناف الثدييات. ما يعني اختلاف البصمات البيئية أيضًا، والحاجة إلى تتبُّع التفاعلات بين الجثة البشرية والنبات على وجه التحديد.

لقد أثبتت معدلات التحلل البشري أنها مختلفة وأكثر تنوعًا من البدائل الحيوانية، وبالتالي يمكن أن تترك بصماتٍ طيفيةً فريدة يمكن التنبؤ بها في النباتات.

على أن الدراسة تنوِّه بوجود حاجة إلى تكامل البحوث متعددة التخصصات باستخدام تقنيات شاملة من عدة مجالات (الذكاء الاصطناعي، تحليلات البيانات الكبيرة، تقنيات الاستشعار المتقدمة)؛ لتمكين منصات الباحثين عن الجثث المفقودة من استخدام النباتات على نحو فعال.

إن هذه المعرفة تصب في الهدف النهائي، الذي يحدده “نيل” في “استخدامها لمعرفة ما إذا كان بإمكان الأشجار والشجيرات أن تخبرنا -بمنصات للاستشعار عن بُعد من الجو أو بالقمر الصناعي- عن مكان وجود الجثث المفقودة والميتة؛ حتى يسهل انتشالها في فترة وجيزة، أي بين بضعة أيام إلى أسابيع بعد الموت”، مشددًا على أنه “في الوقت الحالي، إذا مات الناس في الغابة، فإن العثور على الجثث يمثل تحديًا كبيرًا”.


Scientific American

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *