«تقسيم وإضعاف أوروبا».. مع ذهاب ترامب دول «مارقة» أوروبية تفقد عرابها الأمريكي


الحكومات الشعبوية في أوروبا الشرقية لاسيما بولندا والمجر فقدت بهزيمة دونالد ترامب “عرابها” السياسي. فهل وجب عليها أن تتخذ مسارات أخرى وهل ستكون الحياة أسهل بالنسبة إلى الأوروبيين الآخرين؟

أثناء الحملة الانتخابية أوضح جو بايدن موقفه من الحكومات الشعبوية في شرق أوروبا وقال: “نشاهد ما يحصل من بيلاروسيا عبر بولندا إلى المجر وصعود الأنظمة المستبدة في العالم. رئيسنا يدعم جميع “الدول «المارقة في هذا العالم»”، قال بايدن خلال جولة الأسئلة التي بثتها قناة “ABC” الأمريكية. وقيامه بوضع لوكاشينكو ودودا وأوربان في سلة واحدة، يمثل صفعة في وجه بعض الشعبويين اليمينيين في أوروبا وتحذيرا للعواصم المعنية.

بين الإنكار والمراوغة

التهنئة المتعجلة التي أرسلها رئيس الوزراء السلوفيني إلى دونالد ترامب أخطأت هدفها تماما في نتيجة الانتخابات في الولايات المتحدة. ورغم ذلك بقي متعنتا في موقفه مستندا إلى “تأجيلات وإنكار للحقائق”، لدرجة أن وزير دفاعه حذره من أن موقفه لا يخدم “مصالح سلوفينيا”.

وفي وارسو بقي الموقف الدبلوماسي متأرجحا وتم توجيه التهنئة لـ”حملة رئاسية ناجحة”. “فبولندا تريد الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية رفيعة المستوى مع الولايات المتحدة وتعزيزها”، كما كتب الرئيس أندري دودا في نهاية الأسبوع. فهزيمة ترامب هي بالتالي لطمة، لأنه حصل على مساعدة في الحملة الانتخابية من خلال زيارة إلى البيت الأبيض، ودودا يفتخر بعلاقة شخصية مع الرئيس الأمريكي ترامب.

وبالمثل بدت التهاني أيضا من بودابيست غامضة. فمدير مكتب الرئيس فيكتور أوربان تحدث “متشائما” خلال فرز أصوات الناخبين في الولايات المتحدة الأمريكية. وقال بأنه يأمل في أن تكون السياسة الخارجية لحكومة ديمقراطية جديدة “أفضل من الأخيرة”. وأشار بشكل سلبي إلى أن الحملة الانتخابية لبايدن تلقت تبرعات من جورج سوروس الذي صنفته الحكومة المجرية كبش فداء جميع شرور الليبرالية الغربية.

لا أحد كان يحب ترامب مثل بولندا

وبولندا كانت البلد الوحيد في أوروبا الذي ينظر فيه غالبية الناخبين بإيجابية لترامب، كما كشفت استطلاعات رأي في الخريف وهذا الميل له أسباب: فترامب دعم بولندا في المواجهة العسكرية مع روسيا وقطفت الثمار رغم أن تقوية الوحدات الأمريكية تقررت منذ حقبة أوباما. كما أن الرئيس كان منتقدا قويا لأنبوب غاز “نورد ستريم” وساند الاندماج الأوروبي الشرقي “لمبادرة البحار الثلاثة”، وكان يُعتبر مقربا من الناحية الأيديولوجية. كما أن دونالد ترامب كان الصديق الوحيد في السياسة الخارجية للبولنديين المعزولين داخل الاتحاد الأوروبي.

“النتيجة الانتخابية ضربة في وجه كاتشينسكي وأوربان، لأن الاثنين راهنا على ترامب”، كما يقول بيوتر بوراس من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية. وهذا ينطبق أقل على المجر التي تبقى غير مهمة استراتيجيا. والمصالح الأمنية لبولندا مرتبطة بشكل وثيق مع الولايات المتحدة. “العلاقة الخاصة بين واشنطن ووارسو ستلقى نهاية تحت إدارة بايدن”.

كما أن وارسو استوعبت اهتمام ترامب ببولندا على نحو خاطئ: فهو كان يصبو لاسيما لقوة الإزعاج الكامنة في السياسة البولندية داخل الاتحاد الأوروبي وكذلك العلاقة المتوترة مع ألمانيا التي أعلنها ترامب العدو الأساسي في أوروبا. وعند بايدن ستكون هذه الأمور بالعكس: بولندا تُعتبر شريكا هاما عندما تقيم علاقات جيدة مع ألمانيا. وبايدن يعتزم تقوية الاتحاد الأوروبي وليس إضعافه ولا يريد بأية حال تهميش ألمانيا.

وبالنسبة إلى بولندا يعني الانتصار الانتخابي لبايدن تحولا في الأفق: فالحزب الحاكم في بولندا يمر بأكبر أزمة مع الاحتجاجات المستمرة ضد قوانين الإجهاض وبسبب سوء تدبير جائحة كورونا والخلاف مع الاتحاد الأوروبي حول آلية دولة القانون وخصومات حزبية داخلية، كما يقول بيوتر بوراس، الذي لا يتوقع تغيرا في النهج، بل فقط تعديلا في السياسة البولندية.

وحتى مارسين زابوروفسكي، ناشر لدى مجلة “Res Publica Nowa” ينطلق من أن بولندا خسرت شريكها الأيديولوجي الوثيق. فالعلاقات مع الولايات المتحدة قد تبقى قوية، لكنها قد تتأثر بسبب الخلاف حول دولة القانون. وترامب في المقابل لم يمارس أبدا النقد تجاه سياسة بولندا، لدرجة أن العلاقة “كانت ودية للغاية”. فالحزب الحاكم في بولندا سينظر بقلق إلى التحول في واشنطن، بل وبشيء من الرفض.

الاتحاد الأوروبي وحصان طروادة من واشنطن

النائب سيرغي لاغودينسكي، الذي يمثل حزب الخضر الألماني في البرلمان الأوروبي، يعتقد أنه إذا لم يعد بإستطاعة ترامب مد يد الحماية للشعبويين في شرق أوروبا، فإن ذلك سيساعد الاتحاد الأوروبي، فقد خدمهم ترامب في توجههم السياسي الخاص. ومع بايدن سيعود في المقابل سياسيون مؤيدون لأوروبا يراهنون على التعاون مع بروكسيل. كما أنهم يعرفون مخاطر التطورات غير الليبرالية والشعبوية. “وتوجد الآن ظروف أفضل في عدة مجالات إذا انصرف العراب من واشنطن”، كما يقول النائب الأوروبي من الخضر.

لاغودينسكي يعتبر هزيمة ترامب “ضربة ضد الشعبوية الدولية”، لكنه يحذر في نفس الوقت من المبالغة ويقول هذه “الانتخابات تمنحنا استراحة، لكنها لا تعفي أوروبا من أداء واجباتها”، وهذا ينطبق أكثر على الاستقلالية الاستراتيجية ومزيد من التنسيق في السياسة الخارجية والأمنية والعلاقة مع الصين وأمور أخرى.

وعلى غرار مراقبين آخرين يعتقد السياسي من حزب الخضر أنه بدون حصان طروادة من واشنطن مع رئيس أمريكي كان يهمه بالأساس تقسيم وإضعاف أوروبا، فإن الحياة داخل الاتحاد الأوروبي عموما يمكن أن تكون أسهل قليلاً.


باربارا فيزل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *