“ماغنيتسكي” يطبق على جبران وأخواته!


حتى قبل أن تستقرّ الانتخابات الرئاسية الأميركية على إعلان رسمي ونهائي، وإن كان المرشح الديموقراطي جو بايدن بات على أعتاب البيت الأبيض، افتتحت واشنطن قبل أيام، أولى حلقات مسلسل “ماغنيتسكي- لبنان” بعد تلويح دام أقل من عام، وشكّل ما يشبه الإنذار والرسائل لسياسيين لبنانيين تصنفهم واشنطن “فاسدين”، وتستهدفهم بقانون يخوّلها “فرض عقوبات على منتهكي حقوق الإنسان في كل أنحاء العالم من خلال تجميد أصولهم”.

صحيح أن رئيس التيار الوطني الحرّ، النائب والوزير السابق وصهر رئيس الجمهورية جبران باسيل، هو الشخصية اللبنانية الأولى المستهدفة بعقوبات “ماغنيتسكي”، لكنه حتما لن يكون الأخير، لأنه أطبق على جبران وأخواته. وتقول المعلومات الواردة من الإدارة الأميركية إن القرار اتُخذ بإدراج اسم باسيل في لائحة العقوبات، وهناك أسماء أخرى “رنانة” ستصدر قريبا، موضحة أن التوقيت دُرس بعناية من أجل إلزام الإدارة الجديدة التي ستفزرها انتخابات الرئاسة بالقرار، “لأن الصعوبة تكمن في إدراج الأسماء ضمن قائمة العقوبات، لكن الأصعب أكثر هو إزالتها من القائمة”.

ورغم ذلك، تبدو الإدارة الأميركية الحالية مطمئنة لجهة استبعاد أي تغيير محتمل مع إعلان فوز بايدن في الرئاسة الأولى، لأن الحزبين، الجمهوري كما الديمقراطي، ينتهجان السياسة عينها في ملف العقوبات. وهذا ما يدفع مصادر الإدارة الأميركية الى التأكيد أن العقوبات المفروضة على لبنان، سواء على “حزب الله” أو على “الفاسدين”، ستستمر بنفس الزخم، سواء نجح بايدن بتكريس نجاحه الكاسح في الانتخابات، أو إن أقرّت المحكمة العليا بادعاءات ترمب في وجود تزوير، وقلبت بقرار صادم ومفاجئ النتائج بأي صيغة تبقى قائمة ضمن الخيارات الدستورية والقانونية المتاحة.

بوضوح أكثر، تؤكد الإدارة الأميركية بحسب مصادرها، أن ملف عقوبات “ماغنيتسكي” فُتح اليوم على استهداف جبران باسيل، وهو لن يتوقف هنا، “إذ ستصدر في القريب العاجل، أسماء رنانة لشخصيات من الصف الأول”. وفي لائحة الخيارات القائمة، ثمة استهدافات قد تطال بحسب مصادر الإدارة الأميركية، أسماء من “التيار الوطني الحر” و”تيار المستقبل” و”حركة أمل”، فضلا عن رجال أعمال، في لائحة يتمّ إعدادها “وستحدث صدمة على غرار قرار تسمية باسيل”.

ما هي الانعكاسات الأولية للعقوبات على باسيل؟

لا شك في أن الحكومة التي يعمل الرئيس سعد الحريري على توليدها، ستكون هي الضحية الأولى، وخصوصا بعد التشوّهات التي أصابتها لاستناد الرئيس المكلّف على المبادرة الفرنسية التي ” وُلدت ميتة” منذ أطلقها الرئيس مانويل ماكرون قبل نحو شهرين. فـ”حزب الله”، أو بالأحرى إيران، لا يهمها التعامل مع الوكيل بل الأصيل. وهذا يعني أنها إن أرادت تسهيل مهمة الحريري الحكومية، فهي لن تعطي باريس ما يمكن أن تنتزعه من واشنطن. وهذا ما دفع الحزب إلى تأخير توليد حكومة جديدة في بيروت بانتظار التطورات القادمة من واشنطن، وتبيان رجحان كفة الخيط الأزرق (الديمقراطي) على الأحمر (الجمهوري).

بكلام أوضح، سيبقى الفراغ الحكومي ضاغطا على بيروت، اقتصاديا واجتماعيا، في انتظار بلورة الموقف الأميركي المستقبلي، بما يعني أن الفترة الانتقالية ستطول لأشهر بعد، وهذا ما يمنح الجميع “فترة تمديد” تسديد المستحقات. ويبدو أن مواصفات هذه الفترة تلائم الجميع. فالعهد يستمهل قبل صدور حكم “الفشل النهائي” بحثا عن إنجازات ولو صغيرة من هنا وهناك تدعم ما بقي من شعارات أثبتت الوقائع تفريغها من مضمونها. أما الحكومة الافتراضية فتبقي في بالها تفادي تجرّع كأس الانهيار الرسمي طالما لديها “حكومة تصريف أعمال” هي مسؤولة في الأساس عن تفجير الأزمة النقدية والمصرفية منذ اتخذت قرارها بإعلان لبنان دولة متعثرة عن الدفع.

أما مصرف لبنان الباحث عن متنفسّات تقيه سياسات الدعم المتكاثرة والضاغطة على احتياطاته الأجنبية، فيرغب بدوره في استمهال السقوط الكبير من خلال الإمساك بالليرة اللبنانية حفظا لقدرة شرائية تتهالك تحت ضغوط السوق السوداء وممارساتها الحالكة. وبالانتظار، يفيد القطاع المصرفي من المهلة الممنوحة له حتى شباط/ فبراير 2021 المقبل من أجل تلبية متطلبات الرسملة الجديدة التي تفرض بموجب تعميم البنك المركزي رقم 154، زيادة رأسمال المصارف بنسبة 20% من أسهمها بما يصل إلى 4 مليارات دولار، وتكوين سيولة خارجية خالية من أي التزامات بنسبة 3% من الدولارات المودعة لديها.

وحده المواطن اللبناني، يقبع تحت وطأة كمّ هائل من الأعباء التي لم يتحسّب لها، وتاليا لم يدخر ما يمكنه من مواجهتها. فيده لا تطول مدخرات العمر في المصارف، وفرصة العمل مهددة إن لم تكن انعدمت، والقدرة الشرائية تتقهقر تحت زخم “غول” التضخم، فيما جاء انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس الماضي ليزيد من الطين بلة، ليس لأبناء العاصمة او لقاطنيها فحسب، بل أيضا، لقطاع الاعمال الذي أصيب بنكسة لم يلق من يعوّض عليه بليرة واحدة… ولا ببيان يفيد بخلاصة تحقيق رسمي، وعد حسان دياب، رئيس الحكومة قبل ان تستقيل، بإصداره في خلال خمسة أيام فقط!

قبل أيام، اتهم الرئيس السوري بشار الأسد مصارف لبنان بالتسبّب في ازمة سوريا الاقتصادية، من خلال احتجاز ودائع سورية تراوح بين 20 و42 مليار دولار في خزائنها… كلام لم يلق صدى كبيرا في بيروت التي تدرك جيدا أن مسبب أزماتها المتشابكة هي دمشق، التي انتهكت السيادة اللبنانية لعقود، وفتكت بمنظومتها السياسية وعمّمت ثقافة الفساد والسرقة والصفقات والسمسرات، وصولا إلى زجّ نحو مليوني سوري في ملف “النازحين” الذي كلّف الاقتصاد اللبناني أكثر من 25 مليار دولار.

رمى الأسد اتهاماته وتناسى أن “رأس المال جبان”. فالأموال السورية هربت من سياسات جرّت العقوبات والحروب العسكرية على موطنها الأم، ولجأت إلى وجهة آمنة ليس طمعا بنقاط فوائد إضافية، بل رغبة منها في المحافظة على ما جناه أصحابها في أيام الازدهار والعزّ وتخشى من أن تسلبه السلطة في أيام القهر والعوز والفقر. ولعل “ماغنيتسكي” و”قيصر” وشركاهم يرافقون الأسد في رحلة البحث عن الودائع وغيرها من الثروات التي حرمت اللبنانيين كما السوريين من حقوق دنيا انتهكتها السلطات الحاكمة بالتكافل والتضامن لزمن غابر ما بين دمشق وبيروت.


فيوليت غزال البلعة
العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *