“غير مفهوم” سعر صرف الدولار.. تطبيقات هاتفية تقف خلفها أيادٍ استخباراتية بإمتياز تتحكم بالسوق السوداء


مما لا شك فيه أن الأحداث السياسية تؤثر عادة وبشكل مباشر في تحركات أسعار الصرف في الدول التي حررت عملتها أو الدول التي شهدت نشاطاً لأسواق سوداء موازية. وإنما في لبنان، التحركات السعرية حادة وغير مبررة. فما الذي يتحكم بالسوق السوداء؟

التحركات السعرية السريعة غير مفهومة

استهل لبنان عام 2020 على سعر صرف للدولار في السوق السوداء عند حدود 2100 ليرة. مستويات شهدت ارتفاعات متتالية على الرغم من تشكيل حكومة حسان دياب التي وصفت بـ”حكومة اختصاصيين”، ليصل سعر الصرف إلى مستوى 9200 ليرة في يوليو (تموز) من العام ذاته.

ليأتي انفجار المرفأ، فيخفّف من وطأة الارتفاع مع تحرك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على خط أزمة لبنان.

استقالة حكومة حسان دياب في العاشر من أغسطس (آب)، وتأخّر تسمية رئيس جديد، ثم تعثّر مصطفى أديب عن التأليف في 24 سبتمبر (أيلول)، كلها عوامل أسهمت في رفع سعر الصرف مجدداً إلى حدود 8500 ليرة للدولار الواحد.

أما تسمية الرئيس سعد الحريري، فأعادت التراجع للأسعار إلى ما دون 7000 ليرة.

وفيما أساسيات السوق، أي العرض والطلب والوضع الاقتصادي، لم تتغير منذ بداية العام، يبرز عامل المضاربة المحتدمة وتحكّم البعض القليل في سوق ضيّقة وصغيرة من حيث القيمة وإنما تداعياتها تطال حياة كل لبناني.

تلاعب ومضاربة

ليس خفيّاً أن سعر صرف الدولار في السوق السوداء أصبح الشغل الشاغل لكل مواطن لبناني، يوضح أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية جاسم عجاقة، الذي بيّن أن هذا السعر يُستخدم من قبل تجار السلع والخدمات لتحديد كلفتها، بالتالي فإن المواطن يتحمّل بشكل مباشر تداعيات أي ارتفاع لهذا السعر.

وإذا لحظنا تقلّبات سعر الصرف في السوق السوداء في الأسابيع الأخيرة، يتابع عجاقة، نجد أنها لا تتبع أي أسس اقتصادية أو مالية أو نقدية بحكم التغيّرات القوية، التي قد تصل إلى عدة آلاف ليرة في ساعات قليلة من دون أي تبدّل جوهري في المناخ الاقتصادي. بالتالي يبرز السؤال عن أسباب هذه التغيّرات، وإذا ما كانت مسيّرة أم هي فعلاً نتاج عوامل اقتصادية– سياسية خاصة بلبنان؟

سيطرة التطبيقات الهاتفية على السوق السوداء

وهناك ثلاثة عوامل أساسية تؤدّي إلى تغيير السعر في السوق:

الأول هو عامل اقتصادي بحت ناتج من النشاط مالي، إلا أن ملاحظة هذا النشاط في الأسابيع الأخيرة، تشير إلى أن أيّ من مكوّناته لم يتغير.

الثاني هو سياسي بحت، وهنا نرى أن العوامل الإيجابية تدفع باتجاه زيادة الثقة بالاقتصاد، بالتالي هناك ضخّ للدولارات في السوق. وهذا ما حصل عندما كلّف الرئيس الحريري تشكيل الحكومة.

إلا أن هناك مساراً آخر ناتج من التلاعب في هذه السوق من خلال التطبيقات على الهواتف الذكية، التي تفرض سعرها في السوق، وهي تطبيقات تقف خلفها أيادٍ استخباراتية بامتياز.

المضاربة أيضاً نشيطة في لبنان، فسوقها يسيطر عليها أربعة إلى خمسة صرافين ذات حجم لا يُستهان به. هذه المضاربة حقيقية وبرزت أخيراً في التحقيقات التي طالت أحدهم مع رصد رسائل على “واتساب” لهذا الشخص، يدعو إلى رفع الدولار إلى 5000 ليرة خلال أسبوع (الدولار في السوق السوداء آنذاك كان بحدود الـ4000 ليرة).

التطبيقات الهاتفية الأكثر تأثيراً

عملياً تشكّل التطبيقات على الهواتف الذكية الخطر الأكبر والأكثر تأثيراً في سعر صرف السوق. هذه التطبيقات تأتي بأسعار من نسج الخيال أكثر منها حقيقة على الأرض، بحكم أن لا مركزية للأسعار في سعر السوق، بالتالي تقوم هذه التطبيقات بنشر أسعار غير واقعية. مركزية الأسعار هي الأساس في الأسواق (حتى السوداء) لمعرفة القيمة الحقيقية فيها. إذاً السؤال الجوهري من أين تأتي هذه التطبيقات بأسعار السوق؟

في إحدى المرات، كانت الأجواء السياسية إيجابية والتطبيقات تشير إلى انخفاض في سعر الدولار في السوق السوداء، باستثناء واحدة كانت تظهر ارتفاعاً استمر ساعات عدة. وحديثاً، كان السعر يتجه نزولاً مع تكليف الرئيس الحريري، إلا أن أحد التطبيقات سجّل سعر عشرة آلاف ليرة لبنانية ليعود بعد وقت فيعتذر عن تقديراته.

أيضاً لم تستطِع وزارة الاتصالات منع هذه التطبيقات نظراً إلى استخدامها تقنية الـVPN التي تخفي عنوان (IP Address) مستخدم التطبيق. كما أن القضاء لم يتوجّه بطلب إلى كل من “AppStore” و”PlayStore” لمنع عرض هذه التطبيقات في متاجرها في لبنان.

إن تلكّؤ الدولة اللبنانية عن منع هذه التطبيقات أصبح يشكّل تهديداً مباشراً للأمن الاجتماعي، بحكم أنها تفرض سعرها على الصيارفة والتجار والمواطن وكل من يتعاطى الدولار في البلاد. وهذا الأمر غير منطقي نظراً إلى أن حجم السوق السوداء بأحسن أحواله لا يتخطّى الـ20 إلى 30 في المئة، والأهم يبقى أين تُنجز هذه العمليات ولصالح من؟

قوى الأمن الداخلي تحركت ولكن…

مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية في قوى الأمن الداخلي أوضح أنه وبعد بدء حملة مكافحة المضاربة على سعر العملة الوطنية، بادر إلى تتبّع التطبيقات الهاتفية التي تسعّر الدولار، ليتبيّن أيضاً أن عدداً صغيراً من الأشخاص يقفون وراء هذا الكمّ من التطبيقات.

وفيما استطاع المكتب إقفال التطبيقات الصادرة من لبنان، ينتظر المسار القانوني لإغلاق تلك التي تتخذ من الولايات المتحدة تحديداً مقرّاً أساسياً لها. ويبيّن المكتب أن كل التطبيقات تعمل عبر google firebase ولها برنامجاً معيّناً أو ما يعرف بالعنوان الإلكتروني URL.

وكان مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية قد أرسل من خلال النيابة العامة التمييزية في لبنان، طلباً بمساعدة قضائية من الولايات المتحدة، كون التطبيقات المتبقية العاملة في البلاد تأخذ من الولايات المتحدة عنواناً لها، وذلك بهدف تحديد هوية الأشخاص الذين استأجروا هذه العناوين الإلكترونية وإقفالها.

ويؤكد المكتب أن المساعدة القضائية سلكت القنوات الدبلوماسية الشرعية، وترعاها اتفاقيات المساعدة القضائية الموقعة بين البلدين “Mutual legal assistance”.

وبالنسبة إلى سؤال عجاقة حول حجب التطبيقات عن لبنان بدلاً من انتظار الردّ الأميركي، الذي قد يستغرق الكثير من الوقت، يوضح المكتب أنه ومنذ بدء التحقيق، تم بالفعل الحجب، ولكن تقنية الـVPN تسمح للمستخدمين بتخطّيه وتنزيل التطبيقات.

كما أن لبنان لا يتمتع بقدرات تقنية عالية تسمح له بحجب المواقع تماماً كما في دول عربية أخرى مجاورة.

إلى كل ذلك، يضيف مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية أن الطلب من شركتي “غوغل” و”آبل” بوقف التطبيقات من متاجرها، لا يكفي أن يأتي من جانب لبنان فقط، إنما يجب أن يكون معززاً بقرار قضائي أميركي، بخاصة أن هاتين الشركتين العالميتين تحافظان على حقوق زبائنهما وحريتهم.

لا يمكن السيطرة تماماً على أسعار الصرف في السوق السوداء، وإنما قمع التجاوزات وكشف المتلاعبين والمضاربين على العملة أساسيّان لتفادي مزيدٍ من انهيار سعر الصرف بانتظار إصلاحات تنادي بها القوى السياسية كافة ولا تسعى إلى تطبيقها.


جيسي طراد
Independent arabia

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *