أوروبا.. التسلح من أجل حرب اقتصادية؟


عملت الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرا على تشديد العقوبات على خط أنابيب “نورد ستريم 2”. لكن أطرافا أخرى تراهن على الاقتصاد كسلاح، والنزاع المحتدم بين الولايات المتحدة والصين يدفع إلى البحث عن وسائل مضادة.

فرانتس كراخت لن يسافر حاليا إلى الولايات المتحدة، وهذا ليس له علاقة بوباء كورونا، بل بتهديدات العقوبات من جانب الولايات المتحدة ضد بناء أنبوب الغاز “نورد ستريم 2”. فعمدة مدينة ساسنيتس في شمال شرقي ألمانيا يقول بأن وزارة الخارجية في برلين حثته على عدم السفر إلى الولايات المتحدة، علما أن المدينة الصغيرة على بحر البلطيق لها شراكة هناك مع مدينة توأم.

حسب تعليمات صادرة من وزارة الخارجية الأمريكية يجب أن يتوقع العقوبات كل من يساهم بالمعدات لمد الأنبوب أو يمول ذلك. وفي الـ20 أكتوبر/ تشرين الأول شددت واشنطن العقوبات مرة إضافية. وذُكر في لغة تهديدية أن “وزارة الخارجية ووزارة المالية مستعدتان لاستخدام كافة الوسائل المتاحة لفرض عقوبات من أجل وقف تشييد هذا الأنبوب”.

“تشديد فكرة الابتزاز”

والعمدة كراخت غاضب، ويقول: ” الاتجاه الجديد لوزارة الخارجية الأمريكية يشدد من وجهة نظري فكرة الابتزاز”. ويضيف الرجل البالغ من العمر 53 عاما: “نشعر بأننا معنيون هناك. ولدينا خشية حقيقية من إصدار عقوبات”.

وتضم مدينة ساسنيتس بالتحديد 10,000 نسمة، وهناك تحول ميناء بحر البلطيق على جزيرة روغن إلى كرة وسط مصالح السياسة العالمية، لأن ساسنيتس والميناء نقطة لوجيستية محورية في بناء أنبوب الغاز “نورد ستريم 2 “. فهنا يتم تجميع الأنابيب الفولاذية التي يجب وضعها فوق قاع بحر البلطيق لاستكمال نحو 150 كلم لتزويد المستهلكين في المانيا وأوروبا بالغاز الروسي. وهنا ترسو سفن سكنية لعمال روس، ولاسيما سفينة مد الأنابيب “أكادميك شيرسكي” التي تم تجهيزها في بحر البلطيق. وهذه السفينة هي الأمل الأخير لأنبوب الغاز. فبسبب تهديدات العقوبات الأمريكية سحبت الشركة السويسرية للملاحة البحرية ديسمبر/ كانون الأول الماضي سفنها الخاصة، ومنذ تلك اللحظة تتوقف الأعمال.

منع الأنبوب بكل الوسائل

ولأول مرة في أغسطس/ آب عرفت ساسنيتس في العالم، بعد رسالة من واشنطن البعيدة، حيث يهدد ثلاثة نواب أمريكيون مدينة بحر البلطيق الصغيرة بالتدمير الاقتصادي في حال استمرت المدينة في المساهمة في مشروع الأنبوب. والرسالة تشكل درجة تصعيد جديدة في الخلاف حول “نورد ستريم 2”. والأمريكيون يعللون منذ مدة بأن المانيا تجعل نفسها رهينة للغاز الروسي. ومشروع الأنبوب يهدد الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية. والواضح أن الأمريكيين يريدون منع الأنبوب بكل الوسائل.

والحكومة في برلين تستمر في التمسك بمشروع “نورد ستريم 2”. وبطريقة غير مألوفة أعلن وزير الخارجية الألماني هايكو ماس بكل وضوح في منتصف أكتوبر : “نحن من يقرر سياسة الطاقة والتزود بها هنا في أوروبا. فنحن لا ننتقد حقيقة أن الولايات المتحدة في العام الماضي ضاعفت وارداتها من النفط من روسيا وهي الآن ثاني أكبر مستورد للنفط الخام الروسي. فالولايات المتحدة الأمريكية تمارس حقها في اتباع سياسة طاقة مستقلة. ونحن نفعل ذلك أيضا”.

وزارة الاقتصاد: العقوبات الأمريكية مخالفة للقانون الدولي

ووزارة الاقتصاد الألمانية وصفت العقوبات الأمريكية الخارجية بأنها “مخالفة للقانون الدولي”. وحتى من جانب المعارضة يصدر دعم. فالنائبة من حزب اليسار، سفيم داغديلن ترى في الخلاف حول “نورد ستريم 2” حربا اقتصادية لضمان أسواق بيع. “الإدارة الأمريكية تنهج بعقوباتها ضد نورد ستريم 2 عمل مجموعات ضغط عنيف لصالح الصناعة الأمريكية للتنقيب عن النفط ولها في ذلك سلوك مثل المافيا”. أما الخبير في الشؤون الخارجية من حزب الخضر، يورغن تريتين فيطالب بإجراء تحقيقات جنائية ضد السيناتور الأمريكي تيد كروس.

أوروبا تزيد من حدة الوسائل

وطلبات ترتين مست منطقة حساسة، وهذا ما تبينه الاقتراحات الصادرة في نهاية أكتوبر/ تشرين الأول عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية حول “الدفاع عن السيادة الاقتصادية لأوروبا”.وإحدى الوسائل المقترحة تتمثل في فرض عقوبات شخصية مثل حظر السفر وتجميد ثروات مالية.

والمؤلف الرئيسي لوثيقة الاقتراحات هو جوناثان هاكنبرويش الذي أوضح الدور المحوري للدولار الأمريكي في الاقتصاد العالمي الذي يجعل العقوبات الأمريكية فعالة. ولذلك يكون بالنسبة إلى هاكنبرويش في المقام الأول إنشاء مؤسسة أوروبية تهتم بالإجراءات العقابية الاقتصادية لتقوية اليورو.

وفي المقام الثاني يدعو هاكنبرويش إلى تأسيس بنك تصدير أوروبي من شأنه الحفاظ على قنوات الدفع مفتوحة مع الدول الأخرى التي تعاني من عقوبات القوى الكبرى. وهذا يجب تأسيسه بناء على اتفاقية حكومية لزعماء دول وحكومات. وتتمثل لبنة إضافية في إنشاء مؤسسة أوروبية تهتم بإجراءات عقابية اقتصادية يديرها مندوب خاص أوروبي.

بين الجبهات

ويطالب خبير التجارة الخارجية هاكنبرويش لاسيما بأن تجابه أوروبا الواقع الجديد المتمثل في أن المنافسة الجيو-سياسية تحصل بوسائل اقتصادية. فليس الولايات المتحدة الأمريكية وحدها التي تستخدم سوقها وعملتها كسلاح، كما يشرح هاكنبرويش: “فأثناء أوج الموجة الأولى لكورونا هددت الصين في أبريل/ نيسان هولندا على الأقل بصفة غير مباشرة بمنعها من ولوج سوق الأدوية، لأن لاهاي أثارت تعديل اسمها في ممثليتها بتايوان”.

وحتى لو أن العقوبات الأمريكية تلحق الضرر بالتجارة الشرعية مع إيران أو تحبط اتصالات اقتصادية مع روسيا فإن القلق الأكبر تمثله بالنسبة إلى السياسة والاقتصاد إمكانية السقوط بين الجبهات في الحرب على السلطة بين الولايات المتحدة والصين.

ويفكر الأوروبيون منذ مدة في تطوير وسائل مضادة لمجابهة الإجراءات العقابية من الخارج، كما حصل مع المانيا وفرنسا اللتان أنشأتا فريق عمل يهتم بتقوية أوروبا تجاه الإجراءات العقابية من الخارج. ويضم فريق العمل موظفين ساميين ألمان وفرنسيين ونوابا وخبراء من الاتحادات الاقتصادية.

وبالنسبة إلى مشروع “نورد ستريم 2” لن يلعب بناء وسائل دفاع أوروبية أي دور الآن، لأن العقوبات الأمريكية تأتي بمفعولها.


ماتياس فون هاين
DW

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *