«لا تضع وراء ظهرك المسيحيين».. الراعي يحذر الحريري من الإتفاقيات الثنائية السرية


ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد (25 تشرين الأول/ أوكتوبر) في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي، عاونه فيه المطرانان حنا علوان وسمير مظلوم، أمين سر البطريرك الأب هادي ضو.

بعد الإنجيل المقدس، ألقى الراعي عظة بعنوان: “متى جاء إبن الانسان في مجده، يجلس على عرش مجده وتحشد أمامه جميع الامم”، ومما جاء فيها: “بالأمس أنهينا أسبوع الرياضة الروحية السنوية مع إخواننا السادة المطارنة الآتين من لبنان والنطاق البطريركي الأنطاكي وبلدان الإنتشار. […]. وصلينا من أجل لبنان وشعبه ومنكوبي إنفجار بيروت وضحاياه الموتى والأحياء. والتمسنا من الله حل الأزمة اللبنانية بدءا بتكليف رئيس جديد للحكومة، وبتشكيلها بأسرع ما يمكن على أسس سليمة، مبنية على الدستور والميثاق، وقادرة على إجراء الإصلاحات والنهوض الإقتصادي والمالي والمعيشي. فنشكر الله على الـتكليف ونسأله أن يواكب التشكيل بمس ضمائر جميع المسؤولين وقلوبهم، محررا إياها من أسر المصالح والكيدية، الشخصية والسياسية”.

ولفت الراعي في عظته إلى ان الجماعة السياسية تخضع لشرعة المحبة “لا سيما وأنها وجدت من أجل تأمين الخير العام، الذي منه خير الجميع، وخير كل إنسان، على المستوى التشريعي والإجرائي والإداري والقضائي والإقتصادي والمالي والحقوقي والتربوي والصحي والأمني. إلى الآن أخفق المسؤولون في المؤسسات الدستورية والإدارات العامة في واجب تأمين هذا الخير العام، لأنهم اعتنوا فقط بخيرهم الشخصي الخاص، وبعدم الولاء للوطن، وبالفساد وسرقة المال العام وتقاسم المغانم. ففكفكوا أوصال الدولة، وأفقدوها هيبتها وكسروا وحدتها، وأرهقوها بالديون وأفقروا شعبها، واستباحوا السلاح غير الشرعي والمتفلت، وهجروا شبابها وقواها الحية، وأوصلوها إلى حالة البؤس.”

وقال: “أمام هذا الواقع الأليم والإلتزام بإزالته، تقف الحكومة العتيدة قبل تشكيلها وبعده. فإنّا، إذ نهنئ رئيسها المكلف السيد سعد الحريري، نشجعه ونرغب إليه أن ينطلق في تشكيل حكومته من هذا الواقع. فمعه الشعب المنتظِر الفرج، والثورة الإيجابية العابرة للطوائف والأحزاب والمناطق، ومعه اللبنانيون المحبون للبنان، ومعه الكنيسة المؤتمنة على خير كل إنسان، ومعه منكوبو نصف العاصمة بيروت المدمرة من إنفجار المرفأ، وأكثرية أهلها الساحقة من المسيحيين”.

ثم توجّه الراعي في عظته للرئيس المكلَّف قائلا: “فتخطى، أيها الرئيس المكلف، شروط الفئات السياسية وشروطهم المضادة، وتجنب مستنقع المصالح والمحاصصة وشهية السياسيين والطائفيين، في ما الشعب منهم براء. من أجل بلوغ هذا الهدف نقول لك بإحترام ومودة: إلتزم فقط بنود الدستور والميثاق، ومستلزمات الإنقاذ، وقاعدة التوازن في المداورة الشاملة وفي إختيار أصحاب الكفاية والأهلية والولاء للوطن، حيث تقترن المعرفة بالخبرة، والإختصاص بالإستقلالية السياسية.

إحذر الإتفاقيات الثنائية السرية والوعود، فإنها تحمل في طياتها بذور خلافات ونزاعات على حساب نجاح الحكومة: فلا خفي إلا سيظهر، ولا متكوم إلا سيعلم ويعلن، لأن كل ما قلتموه في الظلمة سينادى به على السطوح” (لو 12: 2-3)، على ما يقول السيد المسيح.

لا تضع وراء ظهرك المسيحيين، تذكر ما كان يردِّد المغفور له والدك: البلد لا يمشي من دون المسيحيين. هذا انتباه فطن وحكيم، فالمسيحيون لا يساومون على لبنان لأنه وطنهم الوحيد والأوحد، وضحّوا كثيرا في سبيل إيجاده وطنا للجميع، وما زالوا يضحّون.

أنتم هذه المرة، خلافا لكل المرات السابقة، أمام تحد تاريخي وهو إعادة لبنان إلى دستوره نصا وروحا، وإلى ميثاقه، وإلى هويته الأساسية الطبيعية كدولة الحياد الناشط، أي الملتزمة ببناء سيادتها الداخلية الكاملة بجيشها وقواها العسكرية، والقائمة على سيادة القانون والعدالة، والممسكة وحدها بقرار الحرب والسلام، والمدافعة عن نفسها بوجه كل إعتداء خارجي بجيشها وقواها الذاتية، والفاصلة بين الحق والباطل. دولة حياد ناشط في تعزيز لقاء الثقافات والحضارات والأديان وحوارها، وفي الدفاع عن حقوق الإنسان والشعوب لا سيما العربية منها. ودولة حياد ناشط تنأى بنفسها عن الدخول في أحلاف وصراعات وحروب إقليمية ودولية. هذا الحياد الناشط هو المدخل الضامن إلى الوحدة الداخلية وإلى الإستقرار والنهوض الإقتصادي والمالي والإنمائي والإجتماعي.

تطلع يا دولة الرئيس، مع فخامة رئيس الجمهورية بعين واحدة: إلى بيروت المدمرة التي يجب إعادة إعمارها، وإلى نجاح مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، مصير النفط والغاز وتأمين مردوده إلى خزينة الدولة، وإلى مواكبة المبادرة الفرنسية والإشراف على المساعدات والهبات الآتية من الدول الخارجية.

أما الآن وقد انتهت استشارات التأليف، والمطالب اتضحت، وحاجة البلاد معروفة، وحالة المنكوبين المأسوية ضاغطة، وشروط الإنقاذ الدولي صريحة، فلا يبقى سوى العجلة في تشكيل الحكومة. والعجلة هذه المرة من الله. فلا تخيبوا مرة أخرى آمال اللبنانيين والمجتمع الدولي. لست أعني بالعجلة التشكيل كيفما تيسر، وعلى قاعدة: من مشى مشى، ومن لم يمش يبقى خارجا. لبنان ذو نظام ديموقراطي يتفاهم فيه الجميع موالون ومعارضون من أجل الخير العام”.

وختم قائلا: “ونحن أيها الإخوة والأخوات الاحباء، نجدد رجاءنا بالله، صخرة خلاصنا. له المجد والتسبيح والشكر، الآب والإبن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين”.

كان القداس في حضور نقيب المحامين ملحم خلف، رئيس الاتحاد العمالي العام الدكتور بشارة الاسمر، رئيس المجلس الاغترابي في بلجيكا المهندس مارون كرم، شيخ العشائر الحمادية الخالدية سعد فوزي حمادة، نجل الشهيدين صبحي ونديمة الفخري باتريك الفخري، وحشد من المؤمنين.

وبعد القداس، إستقبل الراعي المؤمنين المشاركين في الذبيخة الإلهية.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *