عودة الحريري.. هل ينجح هذه المرة ويخرج لبنان من أزمته؟


رغم تقدمه بإستقالته إثر احتجاجات واسعة ضد حكومته والطبقة السياسية الحاكمة في لبنان، إلا أن سعد الحريري عاد مجدداً ليتصدر المشهد المشهد السياسي مُكلَّفاً بتشكيل حكومة جديدة. فأي فرص يملكها للنجاح في مهمته الشاقة؟

بعد عام على استقالته من رئاسة الحكومة تحت ضغط الشارع، عاد سعد الحريري رئيساً مكلفاً لتشكيل حكومة جديدة حدّد مهمتها بتطبيق الإصلاحات التي تضمنتها المبادرة الفرنسية لضمان الحصول على دعم من المجتمع الدولي بغية وضع حد للانهيار الاقتصادي.

ومنذ اندلاع التظاهرات العارمة في البلاد، يشهد لبنان أزمات متتالية، من انهيار اقتصادي متسارع فاقَم معدلات الفقر، إلى قيود مصرفية مشدّدة، وتفشّي وباء كوفيد-19، وأخيراً الانفجار المروّع في مرفأ بيروت.

ذهب بضغط من الشارع.. فكيف عاد؟

لكن كيف عاد سعد الحريري من جديد ليتصدر المشهد السياسي في لبنان وهو من دُفع إلى الاستقالة بضغط من الشارع؟ تعتقد الدكتورة ليلى نقولا أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية أن من يقف وراء عودة الحريري إلى السلطة مرة أخرى هي الدولة العميقة أو الترويكا الحاكمة للبلاد، “وهذا ليس له إلا معنى واحدا وهو فشل الثورة اللبنانية، وأنها قد خسرت معركتها مع الطبقة السياسية الحاكمة التي تستطيع الآن أن تفرض عودة من تريد من الوجوه”.

لكن نقولا تستدرك وتقول إن الأحزاب السياسية والطبقة الحاكمة يصعب عليها كثيراً اليوم أن تعيد إلى المشهد السياسي وجوهاً يراها البعض من الصقور في الحكومات السابقة أو الشخصيات المستفزة “وما يمكن أن يحدث هو أن تقوم تلك الأحزاب بتزكية شخصيات قد تكون غير حزبية أو من الصف الثاني في الحزب أو أن تكون من التكنوقراط، لكن على الأقل تكون هي التي اختارتها من داخل الطائفة االتي يتبعها الحزب”.

وتثير عودة الحريري إلى المشهد السياسي رئيساً للحكومة من جديد التساؤل حول ما يمكن أن يقدمه الرجل من جديد لم يقدمه سابقاً؟ بحسب الدكتورة ليلى نقولا فإن الحريري نفسه لا يمكنه أن يقدم جديداً، “لكن الجديد الذي يمكن أن يحدث هو ما يمكن أن ينتج عن الضغوط الدولية الخارجية للقيام ببعض الإصلاحات، لأن هذه الجهات تشترط حدوث إصلاح لتكون هناك تدفقات مالية من صندوق النقد الدولي. وبدون تلك الإصلاحات سيبقى اللبنانيون في دوامة من الفساد ومن هدر المال العام وعدم المساءلة أو المحاسبة”.

حكومة تكنوقراط.. أي فرص للنجاح؟

وتراجع تدريجياً زخم الاحتجاجات في الشارع، ما أعاد بث الحياة في الطبقة السياسية الحاكمة التي كبّلت حكومة الاختصاصيين التي شكّلها حسان دياب بعد استقالة حكومة الحريري الأخيرة، وأدت إلى اعتذار مصطفى أديب عن تشكيل حكومة رغم الضغوط الدولية. على أن فكرة تشكيل حكومة تكنوقراط كان قد طرحها حسان دياب من قبله ولم تمر، فلماذا يمكن أن ينجح الحريري فيما فشل فيه دياب؟

ترى الدكتورة ليلى نقولا أن فكرة تشكيل حكومة تكنوقراط من المستقلين أو يختارهم سعد الحريري بنفسه هي أمر غير وارد الحدوث، وهو ما فشل في المحاولات السابقة “لأن كل طائفة لن تسمح لأحد أن يختار ممثليها في الحكومة، وإنما هي أن تختارهم وهو ما حدث سابقاً مع حركة أمل وحزب الله وقصة وزارة المالية”.

وتضيف نقولا أنه اذا ما حاول سعد الحريري اعتماد هذا المعيار مع الثنائي الشيعي فيجب عليه اعتماد المعيار نفسه مع الدروز والسنة والمسيحيين، “فهو لا يستطيع اعتماد معيار مختلف مع كل طائفة أو أن يهمش طائفة ويختار وزراءها بنفسه. لذا ستقوم الأحزاب الممثلة في البرلمان اللبناني والكتل النيابية بهذا الأمر، كما أنها هي من ستسمي الوزراء من غير الحزبيين من محيطها”.

“أمل لبنان الأخير”

في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر، أعلن الحريري أنه مرشح حكماً لرئاسة الحكومة ضمن ثوابت المبادرة الفرنسية التي تضمنت تشكيل حكومة “بمهمة محددة” تنكبّ على إجراء إصلاحات عاجلة لضمان الحصول على دعم المجتمع الدولي.

ويقدّم الحريري الذي يرأس الحزب السني “تيار المستقبل” الأكثر تمثيلاً في البرلمان، نفسه على أنه عرّاب “الفرصة الأخيرة” المتمثلة بالمبادرة الفرنسية. وقال بعد تكليفه إنه يعتزم تشكيل حكومة “اختصاصيين من غير الحزبيين”. وبينما لم تثر تسمية الحريري أي موقف لافت، ركّزت ردود فعل واشنطن والأمم المتحدة على ضرورة أن تنفذ أي حكومة الإصلاحات المطلوبة.

وترى الدكتورة ليلى نقولا أستاذة العلاقات الدولية أن ما قد يؤشر لنجاح ما، هو قدرة سعد الحريري وتياره السياسي على التعامل مع الترويكا الحاكمة منذ 30 سنة والمتجذرة في الدولة اللبنانية وفي الاقتصاد اللبناني وفي مصرف لبنان، “وإذا استطاع الحريري أن يكرر ما فعله والده في التسعينات عندما أطاح بحكومة عمر كرامي وخفض سعر صرف الليرة، إذ يمكنه بما له من نفوذ في مصرف لبنان مع رياض سلامة وبما له من نفوذ في كثير من الأماكن أن يساهم في تخفيض سعر صرف الليرة، حينها سيشعر اللبنانيون ببعض الارتياح وبأن مجيئه أثر إيجابيا بشكل ما في حياتهم اليومية بالإضافة للالتزام بالمبادرة الفرنسية. وكل ذلك سيؤدي لتدفقات مالية خصوصاً من صندوق النقد الدولي على شكل قروض، وبالتالي حدوث بعض الانتعاش الاقتصادي”.

ضغوط دولية

ويعتقد خبراء ومتابعون للشأن اللبناني أن الفارق بين حكومة حسان دياب وسعد الحريري هو مدى الدعم الدولي الذي ستحصل عليه حكومته. فإذا استطاع الحريري أن يعتمد على المبادرة الفرنسية والدعم الفرنسي، وإذا تم قبول ترسيم الحدود مع إسرائيل وفق الشروط الأمريكية ستخف ضغوط واشنطن على الاقتصاد اللبناني وبالتالي سيكون هناك إمكانية لنجاح حكومته أكثر من حكومة حسان دياب.

وحول أثر الضغوط الدولية على المشهد السياسي في لبنان تقول نقولا إن هناك أمرين يمكن لأمريكا وفرنسا الضغط من خلالهما، أولاً وجود أجندة إصلاحية كاملة وبرنامج واضح للاصلاح إضافة إلى التهديدات بعقوبات دولية على كل من لا يلتزم بالإصلاح؛ وهذا ما تحدث عنه ماكرون “وهو أيضا ما طالب به رئيس الجمهورية ميشيل عون في خطابه والذي يريد للموافقة على أي تشكيلة حكومية أن يكون هناك برنامج واضح للإصلاح. وفي النهاية رئيس الجمهورية لا يملك ترف الوقت وهو يريد في آخر سنتين من ولايته أن يحقق شيئا في مجال الإصلاح”.

سعد الحريري “المكبل”

لكن مهمة الحريري لن تكون سهلة، فبحسب الدستور اللبناني أي حكومة يشكلها رئيس الوزراء المكلف تحتاج أولاً إلى موافقة وتوقيع رئيس الجمهورية، وهذا يعني أنه يجب أن يقبل رئيس الجمهورية ميشيل عون وتياره أيضا بالتركيبة الحكومية الجديدة.

في هذا السياق تقول نقولا إنه لا الرئيس ولا تياره من سمى سعد الحريري بشكل أساسي، وإنما توافق التيارات والأحزاب داخل البرلمان، كما أنه وفقاً للدستور اللبناني فإنه لكي تستطيع الحكومة الاستمرار يجب أن تحصل على ثقة المجلس النيابي وبالتالي عليها أن تحصل على أصوات الغالبية -النصف زائد واحد من مجموع مجلس النواب- لكي تستطيع الحصول على الثقة وأن تمارس مهامها.

وتعتقد أستاذة العلاقات الدولية أن هذين الأمرين يجعلان الحريري مكبلاً وليس حراً في التعامل مع الأحزاب أو الكتل الممثلة في البرلمان، بالإضافة إلى أنه لا يستطيع تهميش مكون من المكونات الطائفية الموجودة في لبنان، وإن حدث فسينتج عنه نقمة كبيرة من هذه الطائفة ولن يمر الأمر، لأن الدستور اللبناني يقول إنه لا مصداقية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك بين الطوائف.

وترى نقولا أيضاً أن هناك آليات دستورية تجعل الحريري غير حر في اختيار التركيبة التي يريدها لحكومته، وتقول إنها لا تتصور “أن الأحزاب اليوم التي ستشكل الحكومة اللبنانية هي نفسها تقريباً الأحزاب التي شكلت في السابق حكومة وحدة وطنية باستثناء القوات اللبنانية التي اعتبرت نفسها غير معنية بالدخول في الحكومة، على أن تكون هناك وجوه من غير السياسيين التقليديين أو الوجوه التي استفزت الشارع اللبناني في وقت سابق، وهو ما قد يشكل عامل تهدئة في المشهد اللبناني، إن حدث”.


DW

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *